فصل: تفسير الآيات (73- 74):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السماء وَالأرض إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)}.
يعلم السِّرَّ والنجوى، وماتكون حاجةُ العبدِ له أَمَسَّ وأقوى، وبكلِّ وجهٍ هو بالعبد أَوْلى، وله أن يحمل له النُّعْمى، ويزيل عنه البَلْوى، ولا يسمع منه الشكوى، فله الحُكْمُ تبارك وتعالى.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71)}.
الآية تشير أَنَّ مَنْ جملة خواصِّه أفرده- سبحانه- ببرهان، وأَيَّده ببيان، وأعزَّه بسلطان. ومَنْ لا سلطانَ له يمتد إليه قَهْرُه، ومن لا برهان له ينبسط عنه- إلى غيره- نورُه، فهو بِمَعزِلٍ عن جملته.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ}.
لِسَمَاعِ الخطاب أَثّرٌ في القلوبِ من الاستبشارِ والبهجة، أوالإنكار والوحشةِ. ثم ما تخامره السرائرُ يلوحُ على الأسِرّةِ في الظاهر؛ فكانت الآياتُ عند نزولِِها إذا تُلِيَتْ على الكافر يلوح على وجوهِهم دُخَانُ ما تنطوي عليه قلوبُهم من ظلماتِ التكذيب، فما كان يقع عليهم طَرْفٌ إلاَّ نَبَّأ عن جحودهم، وعادت إلى القلوب النُّبُوءَةُ عن إقلاعهم.
ثم أخبر أنَّ الذي هم بصَدَدِه في الآخرةِ من أليم العقوبةِ شرٌّ بكل وجهٍ لهم مِمَا يعود إلى الرائين لهم عند شهودهم. وإنّ المناظِرَ الوضيئة للرائين مُبْهِجةٌ، والمناظِرَ المُنْكَرَة للناظرين إليها موحِشَة. اهـ.

.تفسير الآيات (73- 74):

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره، وهدد من عاند، أتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة، ولا قدرة له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة، والخطة العالية المنيفة، فقال مناديًّا أهل العقل منبهًا تنبيهًا عامًا: {يا أيها الناس}.
ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله، بني للمفعول قوله: {ضرب مثل} حاصله أن من عبدتموه أمثالكم، بل هم أحقر منكم {فاستمعوا} أي أنصتوا متدبرين {له} ثم فسره بقوله: {إن الذين تدعون} أي في حوائجكم، وتجعلونهم آلهة {من دون الله} أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون، ولما تدعون فيها مفترون، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب {لن يخلقوا ذبابًا} أي لا قدرة لهم على ذلك الآن، ولا يتجدد لهم هذا الوصف أصلًا في شيء من الأزمان، على حال من الأحوال، مع صغره، فكيف بما هو أكبر منه {ولو اجتمعوا} أي الذين زعموهم شركاء {له} أي الخلق، فهم في هذا أمثالكم {وإن} أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن {يسلبهم الذباب} أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية الحقارة {شيئًا} من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه بين أيديهم من الأكل أوغيره {لا يستنقذوه} أي يوجدوا خلاصه أو يطلبوه {منه} فهم في هذا أحقر منكم، وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة، ولهذا يجوز عند الإبلاغ في الذب، فلو كانت وقاحته في الأسد لم ينج منه أحد، ولَكِن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة، ووقاحة الذباب الضعف، وهو واحد لا جمع، ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ابن عبيدة قال: إنه الصواب، ثم قال: وفي كتاب ما تلحن فيه العامة لأبي عثمان المازني: ويقال: هذا ذباب واحد، وثلاثة أذّبة، لأقل العدد ولأكثره ذباب، وقول الناس: ذبابة- خطأ، فلا تقله-.
ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله، فذلكة للكلام من أوله: {ضعف الطالب} أي للاستنقاذ من الذباب، وهو الأصنام وعابدوها {والمطلوب} أي الذباب والأصنام، اجتمعوا في الضعف وإن كان الأصنام أضعف بدرجات.
ولما أنتج هذا جهلهم بالله، عبر عنه بقوله: {ما قدروا الله} أي الذي له الكمال كله {حق قدره} في وصفهم بصفته غيره كائنًا من كان، فكيف وهو أحقر الأشياء.
ولما كان كأنه قيل: ما قدره؟ قال: {إن الله} أي الجامع لصفات الكمال {لقوي} على خلق كل ممكن {عزيز} لا يغلبه شيء، وهو يغلب كل شيء بخلاف أصنامهم وغيرها. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}.
اعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم.
أما قوله تعالى: {ضُرِبَ مَثَلٌ} ففيه سؤالات:
السؤال الأول: الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلًا؟ والجواب: لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلًا.
السؤال الثاني: قوله: {ضُرِبَ} يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء؟ الجواب: إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم.
أما قوله: {فاستمعوا لَهُ} أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر.
واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين: الأول: قوله: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجتمعوا لَهُ} قرئ يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنيًّا للمفعول {وَلَنْ} أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفيًّا مؤكدًا فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودًا، فقوله: {وَلَوِ اجتمعوا لَهُ} نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني: أن قوله: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب منها شيئًا، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة، أما الثانية فلا، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول: فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني: فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة، فإن جهات التعظيم مختلفة، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب: أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن هاهنا صاروا مستوجبين للذم والملام.
أما قوله تعالى: {ضَعُفَ الطالب والمطلوب} ففيه قولان: أحدهما: المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة المطلوب الثاني: أن الطالب من عبد الصنم، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالبًا ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير، أما هاهنا فعلى سبيل التحقيق لَكِن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفًا، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى، وهاهنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله: {ضَعُفَ} لا من حيث القوة ولَكِن لظهور قبح هذا المذهب، كما يقال للمرء عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه.
أما قوله: {مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام، وهو قوي لا يتعذر عليه فعل شيء وعزيز لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك.
قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام: إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السماوات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيبًا لهم ونزل قوله تعالى: {وما مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38].
واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده، صمدي الذات سرمدي الصفات. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ}.
لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم: فإن قيل فأين المثل المضروب؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ليس هنا مثل ومعنى الكلام أنهم ضربوا لله مثلاُ في عبادته غيره، قاله الأخفش.
الثاني: أنه ضرب مثلهم كمن عبد من لا يخلق ذبابًا، قاله ابن قتيبة.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الأوثان الذين عبدوهم من دون الله.
الثاني: أنهم السادة الذين صَرَفُوهُم عن طاعة الله.
الثالث: أنهم الشياطين الذين حملوهم على معصية الله.
{لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ} ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المنشيء دون المخلوق المنشأ، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته، وسُمِّي ذبابًا لأنه يُذَبُّ احتقارًا واستقذارًا.
{وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: إفساده لثمارهم وطعامهم حتى يسلبهم إياها.
والثاني: أَلَمُهُ في قرض أبدانهم، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودين وأربابًا مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان.
ثم قال: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبِ} يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون عائدًا إلى العَابِد والمَعْبُود، فيكون في معناه وجهان:
أحدهما: أن يكون عائدًا إلى العابد والمعبود.
الثاني: قهر العابد والمعبود.
والاحتمال الثاني: أن يكون عائدًا للسالب فيكون في معناه وجهان:
أحدهما: ضعف للسالب عن القدرة والمسلوب عن النُصْرَة.
الثاني: ضعف السالب بالمهانة والمسلوب بالاستكانة.
{وما قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما عظموه حق عظمته، قاله الفراء.
الثاني: ما عرفوه حق معرفته، قاله الأخفش.
الثالث: ما وصفوه حق صفته، قاله قطرب. قال ابن عباس: نزلت في يهود المدينة حين قالواْ استراح الله في يوم السبت. اهـ.

.قال ابن عطية:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}.
الخطاب بقوله: {يا أيها الناس} قيل هو خطاب يعم العالم، وقيل هو خطاب للمؤمنين حينئذ الذين أراد الله تعالى أن يبين عندهم خطأ الكافرين ولا شك أن المخاطب هم ولَكِنه خطاب يعم جميع الناس.
متى نظره أحد في عبادة الأوثان توجه له الخطاب واختلف المتأولون في فاعل، {ضرب}، من هو فقالت فرقة: المعنى {ضرب} أهل الكفر مثلًا لله أصنامهم وأوثانهم فاستمعوا أنتم أيها الناس لأمر هذه الآلهة، وقالت فرقة: {ضرب} الله مثلًا لهذه الأصنام وهو كذا وكذا، فالمثال والمثل في القول الأول هي الأصنام والذي جعل له المثال الله تعالى، والمثال في التأويل الثاني هو في الذباب وأمره والذي جعل له هي الأصنام، ومعنى {ضرب} أثبت وألزم وهذا كقوله: {ضربت عليهم الذلة} [آل عمران: 112]، وكقولك ضربت الجزية، وضرب البعث، ويحتمل أن يكون ضرب المثل من الضريب الذي هو المثل ومن قولك هذا ضرب هذا فكأنه قال مثل مثل، وقرأت فرقة {يدعون} بالياء من تحت والضمير للكفار، وقرأت فرقة {يُدعون} بالياء على ما لم يسم فاعله والضمير للأصنام، وبدأ تعالى ينفي الخلق والاختراع عنهم من حيث هي صفة ثابتة له مختصة به، فكأنه قال ليس لهم صفتي ثم ثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز، وذكر تعالى أمر سلب الذباب لأنه كان كثيرًا محسوسًا عند العرب، وذلك أنهم كانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك وكانوا متألمين من هذه الجهة فجعلت مثلًا، و{الذباب} جمعه أذبة في القليل وذبان في الكثير كغراب وأغربة وغربان ولا يقال ذبابات إلا في الديون لا في الحيوان، واختلف المتأولون في قوله تعالى، {ضعف الطالب والمطلوب}، فقالت فرقة أراد بـ: {الطالب} الأصنام وبـ: {المطلوب} الذباب، أي أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة من الحيوان، وقالت فرقة معناه ضعف الكفار في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، وضعف الأصنام في إعطاء ذلك وإنالته ع ويحتمل أن يريد {ضعف الطالب} وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام وضعف الأصنام في أن لا منفعة لهم وعلى كل قول، فدل ضعف الذباب الذي هو محسوس مجمع عليه وضعف الأصنام عن هذا المجمع على ضعفه على أن الأصنام في أحط رتبة واخس منزلة، وقوله: {ما قدروا الله حق قدره}، خطاب للناس المذكورين، والضمير في {قدروا} للكفار والمعنى ماوفوه حقه من التعظيم والتوحيد ثم أخبر بقوة الله وعزته وهما صفتان مناقضتان لعجز الأصنام. اهـ.